محمد متولي الشعراوي
9475
تفسير الشعراوي
فمن رحمته تعالى بعابده أنْ وعدهم هذا الوعد ، وعرفهم هذا الميزان وهم في سَعَة الدنيا ، وإمكان تدارك الأخطاء ، واستئناف التوبة والعمل الصالح ، من رحمته بنا أنْ يعِظَنا هذه الموعظة ويكررها على أسماعنا ليلَ نهارَ . إذن : ما أخذنا ربنا على غِرَّة ، ولم تُفاجئْنا القيامة بأهوالها ، فمن الآن اعلم { اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ . . . } [ الأنبياء : 1 ] وما دام الأمر كذلك فعلى الإنسان أن يُقَدِّر قَدْر الاقتراب ، ومتى سينتقل إلى يوم الحساب ، ولا تظن أن عُمرك هو عمر الدنيا منذ خلقها الله ، إنما عمرك ودنياك على قَدْر مُكْثك فيها ، وهو مُكْث مظنون غير مُتيقَّن ، فمن الخَلْق من عمَّر دهراً ، ومنهم مَنْ مات في بطن أمه . إذن : لا تُؤجِّل لأنك لا تدري ، أيمهلك الأجل حتى تتوب ؟ أم يُعاجلك فتُؤخذ بذنبك ؟ والحق سبحانه يقول : { اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ . . . } [ الأنبياء : 1 ] مع أن الساعة ما زالت بعيدة ، وبيننا وبين القيامة مَا لا يعلمه إلا الله . فكيف ذلك ؟ قالوا : لأن الحساب إنما يكون على الأعمال ، والأعمال لها وقت هو الدنيا ، فَمنْ مات فقد انقطع عمله ، واقترب وقت حسابه ؛ لأن المدة التي يقضيها في القبر لا يشعر بها ، فكأنها ساعة من نهار . فإنْ قُلْت : من الناس مَنْ يعيش مائة عام ، ومائة وخمسين عاماً . نقول : هذا شيء ظنيّ لا نضمنه ، والإنسان عُرضة للموت في أيِّ لحظة لسبب أو دون سبب . ونلحظ في قوله تعالى : { اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ . . . } [ الأنبياء : 1 ] فقال ( للنَّاسِ ) مع أن الحساب لهم وعليهم ، فهل معنى ( للناس )